الشيخ الطوسي
5
التبيان في تفسير القرآن
العلم ، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد ، لأنه لو كان لعلمه ، وتقديره ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم ، لان المعنى مفهوم لا يشتبه . قوله تعالى : ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) ( 143 ) آية . المعنى : قال الحسن ، ومجاهد ، والربيع : وقتادة ، والسدي : كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد ، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه ، فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك . وقوله : " فقد رأيتموه " فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب الموت ، لان الموت لا يرى كما قال الشاعر : ومحلما يمشون تحت لوائه * والموت تحت لواء آل محلم أي أسباب الموت . وقال البلخي : معنى " رأيتموه " أي علمتم ، وأنتم تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الأول حذف . فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة ؟ قلنا : لا ، لان قتل المشركين لهم معصية ، ولا يجوز تمني المعاصي ، كما لا يجوز إدارتها ، ولا الامر بها . فإذا ثبت ذلك ، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا ، وقال الجبائي : إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين قال الأزهري قوله : " رأيتموه وأنتم تنظرون " معناه وأعينكم صحيحة ، كما يقول القائل رأيت كذا ، وليس في عينك سوء . والفرق بين التمني والإرادة أن الإرادة من أفعال القلوب ، والتمني هو قول القائل : ليت كان كذا وليت لم يكن كذا . وقوله : " وأنتم تنظرون " بعد ، قوله " فقد رأيتموه " يحتمل أمرين " . أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية ، كما تقول : رأيته عيانا ورأيته بعيني .